للتواصل:

الرجاء ارسال رسالة بريدية الى البريد الالكتروني: drmshor@yahoo.com

******** ********='**********'> ***********
******** ********='**********'> ***********

الثلاثاء، 29 أبريل، 2014

فتنة الجماهير.. والمنافقون الجدد..!!

 في الماضي كان من أراد التزلف والحظوة من المثقفين فليس أمامه إلا أهل السلطة والمال، يتقرَّب منهم ويمدحهم ليحصل على أعطياتهم ويقتات على موائدهم.

أما اليوم فقد أدّى ظهور وسائل التواصل الاجتماعي وما تبعها من ثورات ما يسمى "الربيع العربي" وسطوة الرأي الشعبي، وتحوّل الجماهير من مجرد تابعة لا رأي لها ولا حضور، لتكون هي القائدة للرأي العام، فانقادت النخب لهذه السطوة فصار همُّ النخب الفكرية هو استرضاء الجماهير والغوغاء واتّباع مواقفها والسباحة في تيارها، حتى لو كان هذا التيار يصب في نهايته في شلال الدمار والخراب.


فأدى هذا إلى ظهور نوع جديد من النفاق الاجتماعي، ألا وهو تزلف النخبة للجماهير وخطب ودها، والذي أفرزته التقنية الحديثة والظروف الراهنة التي تعصف بعالمنا العربي، والتي أخرجت صوت الشعوب إلى السطح، بعد أن كان حكراً على كتاب الأعمدة الصحفية وعلى الصوت الحكومي في القناة والجريدة الرسمية.

فتحوَّل الفرد من تلك الطبقات الشعبية إلى وكالة أنباء بهاتفه النقال، يكتب وينشر ويصوِّر.. وأحياناً يكذب ويبالغ ويزوّر، حتى أصبح بإمكانك سبر مواقف العامة من قضية معينة بضغطة على رابط "وسم"، لتقرأ عشرات بل مئات التدوينات حول هذه القضية.

هذه الآلة الاعلامية الضخمة والنهر الكبير التي يتشكل من قطرات ماء صغيرة، تجتمع تحت وسم واحد، لتتحول إلى ما أشبه بالفيضان الهائج الذي يحكمه "العقل الجمعي" أو "ثقافة القطيع" والذي يُغرق كل من يحاول الوقوف أمامه، مما جعل أغلب الكتاب والدعاة النخبويين يحاولون مسايرة هذا التيار، ومغازلة هذا الثور الهائج - الذي تقوده عواطفه وغرائزه وليس العقل والوعي - رغبة في دعمه لهم في مماحكاتهم الفكرية ومناكفاتهم السياسية، ورهبة من قسوته عليهم واقصائه لهم خارج المشهد.

فأصبح الكثير منهم عندما تبرز قضية إلى السطح يقوم باستطلاع سريع للرأي العام واتجاهاته حيال هذه القضية، ثم يقوم بركوب الموجة - أو على الأقل عدم مواجهتها - مهما كان يعتقد داخلياً أنها ليست في الاتجاه السليم، لأنه يعلم يقيناً أن القاطرة إما أن تركبها أو تدهسك في طريقها.

حتى أصبح النخبوي ليس ذلك الشخص ذو القدرات الثقافية والعلمية الخاصة والقادر على التأثير في محيطه ومجتمعه، بل إنه مجرد فرد عادي له متابعون كثر على مواقع التواصل، لا أكثر من ذلك, فالخطاب الذي يقدمه هو نفسه الذي يقدمه أي مستخدم عامي من نفس التيار الفكري.

فتحول هؤلاء النخبة من كونهم قادة الرأي العام إلى مجرد أتباع للقوة المؤثرة الجديدة التي ليس من السهل قيادتها في عصر التقنية، وتحولت تدويناتهم في مواقع التواصل إلى ما أشبه بـ"ما يطلبه المتابعون"..!!

وأصبح "المنافقون الجدد" من الدعاة والمثقفين يبحثون عن مغازلة عواطف العامة بتحريض مبتذل وتهريج رخيص لا يليق بالعامة فضلا عن النخبة، حتى إنك تجدهم في كل وسم سخيف وإشاعة مغرضة وصورة مزوّرة، يقفزون خلف الجماهير الغاضبة العاطفية رغبة في كسب رضاها ومسايرة أهوائها..!!

وهذه الظاهرة – وإن كانت جديدة نسبياً في وسائل التواصل – إلا أن لها جذور تاريخية وإيديولوجية في فكر بعض الجماعات السياسية المتأسلمة كالإخوان، فهم يعتمدون في منهجهم على مغازلة الشعوب - أياً كانت مشاربها وعقائدها - بشعارات براقة، وتجميعها في صفوف والزج بها في مواجهة الطغاة بزعمهم، باستغلال أفرادها كحطب للثورات، أو أصواتها في الانتخابات، أو أموالها في التبرعات، وبالتالي المرحلة – بزعمهم - تتطلب عدم مواجهة الشعوب بأمراضها العقدية وأخطائها الدينية والسلوكية الخ - وهي المهمة الأساسية للداعية - وذلك لأن هذا ينفِّر الناس عنهم. فالجماهير بطبيعتها تنفر ممن ينتقدها وتُقبل على من يبرِّئها ويختلق لها الأعذار ويكيل لها المديح ويستمع لصوتها ويحسِّسها بالمظلومية الاضطهاد، وأنها لن تجد السعادة حتى تثور على حكامها وتغيرهم بالقوة، تماماً مثل الشاب المخادع الذي يصطاد فتاةً بالمعسول من الكلام حتى إذا سقطت في شباكه أخرج لها وجهه الآخر..


إن هذا العصر هو عصر الجماهير، كما يقول جوستاف لوبون.. وأقول مضيفاً: إنها فتنة الجماهير..!!