للتواصل:

الرجاء ارسال رسالة بريدية الى البريد الالكتروني: drmshor@yahoo.com

******** ********='**********'> ***********
******** ********='**********'> ***********

الأحد، 3 أغسطس، 2014

فائدة عظيمة في حرمة دم المسلم في ضوء آية من كتاب الله

إن حفظ النفس من الضرورات الخمس التي شددت الشريعة على الحفاظ عليها وحمايتها، فقد حفظ الاسلام الدماء المعصومة من أن تهدر وتسفك بغير حق.

ونحن - وللأسف الشديد - نرى في هذه الأيام كثرة سفك الدماء واستباحة الأنفس والأعراض في أنحاء عالمنا الاسلامي من أجل بدعة مضلة، أو تعصب طائفي ضيق، أو صراع سياسي مقيت، ليجدر بنا أن نبيِّن ضلال هؤلاء الذين تعدوا حدود الشرع الحنيف، وأن نحذِّر من طريقهم الوخيم وانحرافهم المبين.


ورغم كثرة الأدلة من الكتاب والسنة التي تحرِّم قتل الأنفس المعصومة والمسلمة خاصة، إلا أننا نجد من هؤلاء تبريرات رخيصة وشبه سقيمة يزينونها لأنفسهم ويعترضون بها على قواطع الأدلة ومحكمها، ويسفِّهون بها أقوال العلماء الذين يحذِّرون من هذا المسلك الخطير، بل وتجدهم يصوِّرون أفعالهم الدنيئة من قتل بشع متفاخرين بها ثم ينشرونها في الشبكات، ليلتقطها أعداء الاسلام ليقولوا انظروا ماذا يفعل المسلمون ببعضهم؟ فجنوا على الاسلام والمسلمين أيما جناية وألصقوا بهم تهمة الارهاب.

والأدلة التي تحرِّم وتجِّرم هذا المسلك كثيرة ولله الحمد، ولكني سأستعرض في هذا المقال آية واحدة فقط من كتاب الله فيها فائدة عظيمة لحفظ أنفس المؤمنين والمؤمنات مهما كان المبرر، وهي قوله تعالى: (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (الفتح 25)

فالآية تذكر أولاً الدواعي لقتال المشركين، وهي أولاً كفرهم بالله، وثانياً صدهم المسلمين عن المسجد الحرام، وثالثاً حبسهم الهدي من أن يبلغ (مَحِلَّهُ) أي منحره، وهو حيث يحل نحره من الحرم.

ورغم أن المسلمين في شهر حرام وهو ذي القعدة من العام السادس للهجرة، ومعلوم تحريم ابتداء الكفار بقتالٍ في الشهر الحرام كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ). (المائدة 2) وحتى عند القائلين بنسخ المنع من القتال في الأشهر الحُرُم فإن سورة براءة التوبة لم تكن قد نزلت في ذلك الوقت.

وهم كذلك في البلد الحرام، وقد قال الله تعالى: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ) (البقرة 191) ولم يرخِّص الله لأحد بالقتال في البلد الحرام إلا لرسوله صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار إبان فتح مكة كما جاء في الصحيحين.

ومع هذه الموانع القوية، شهرٌ حرام وبلدٌ حرام، لم يذكر الله سبحانه هذه الموانع ولم يجعلها سبباً في كف أيدي المؤمنين والكافرين بعضهم عن بعض: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا). (الفتح 24)

وفى جانب آخر فإن النصر العظيم كان محققاً يقيناً في حالة نشوب القتال، حيث كان وعد الله تعالى في نفس السياق: (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا). (الفتح 22)

فإذا كانت الدواعي القوية قد وُجدت واقتضت مجتمعةً قتال المشركين، وإذا كان النصر قد تأكد، والموانع المعروفة لم تُذكر في سياق الآيات، فلماذا إذاً مُنع القتال؟

إنه أمر واحد فقط، وهو الذي ذكره الله في قوله: (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ). (الفتح 25)

فنهى الله عن القتال خوفاً من تلطخ أيدي المسلمين بدماء المسلمين المستضعفين في مكة، فهو )مَعَرَّةٌ( أي إثم وغرامة، فمنع الله قتال المشركين من أهل مكة خوفاً من أن يقتل المسلمون المسلمين خطأً، وأكد الله سبحانه هذا بقوله في نفس السياق: (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا). (الفتح 25) أي لو تميَّز المسلمون عن المشركين وانتفى احتمال قتلهم على أيدي المسلمين لوقع القتال، ولعذَّب الله المشركين على أيدي المؤمنين عذاباً أليماً.

أخرج ابن المنذر عن ابن جُريج في قوله ‏(وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ) قال‏:‏ دفع الله عن المشركين يوم الحديبية بأناس من المؤمنين كانوا بين أظهرهم‏.‏ (الدر المنثور للسيوطي)

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد يُدفع العذاب عن الكفار والفجار لئلا يصيب من بينهم من المؤمنين ممن لا يستحق العذاب. (مجموع الفتاوى)

وهذا العدد من المؤمنين المستضعفين في مكة والكاتمين لإيمانهم ليس بالعدد الكبير، فقد جاء في تفسير ابن كثير عن جنيد بن سبيع قال: وفينا نزلت (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ) قال: كنا تسعة نفر، سبعة رجال وامرأتين، ورواه ابن أبي حاتم من حديث حجر بن خلف وقال: كنا ثلاثة رجال وتسع نسوة.

وفي كلتا الحالتين فالعدد قليل جداً مقارنة بالفتح الكبير الذي كان ينتظر المسلمين، ومع ذلك كان لهذا العدد اعتبارٌ عند الله سبحانه.

كما أن القتل - فيما لو وقع - فهو قتل خطأ وليس بقتل عمد، فالمؤمنين في مكة غير معلومين للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه (لَمْ تَعْلَمُوهُمْ) ولهذا سيكون القتل (بِغَيْرِ عِلْمٍ)، قال ابن قدامة في المغني: الضرب الثاني من الخطأ: وهو أن يقتل في أرض الحرب من يظنه كافراً ويكون مسلماً، ولا خلاف في أن هذا خطأ، لا يوجب قصاصاً، لأنه لم يقصد قتل مسلم فأشبه ما لو ظنه صيدا فبان آدمياً. اهـ.

وهذه المفاسد المترتبة على القتال ظنية ولم تكن في قوة المصالح من ناحية القطع واليقين، ومع ذلك جعل الله لهذا المانع اعتباراً قوياً، وراعى جانب المعرة الناتجة عن قتل المؤمنين ولو كانت بغير علم. فكيف إذا كان وجود المسلمين في مواقع هذه الثورات معلوماً وإصابتهم نتيجة إجراء العملية قطعياً. بل وكيف إذا كان المسلمون هم المستهدفون من أعمال العنف والتشريد والقتل؟؟ رحماك ربي.

ولقد اتضح جلياً من هذه الآية القرآنية أن دماء المسلمين الأبرياء لا تستباح ولو باسم المصالح العامة للإسلام والمسلمين. فمنع الله فتح مكة وهي يومئذ تئن تحت حكم المشركين من أجل عدد قليل من المسلمين مخافة قتلهم، وعلى إثر ذلك صالح النبي صلى الله عليه وسلم قريشاً عشر سنين لتبقى فيها مكة نحن إمرة أهل الشرك صيانة لدماء المسلمين المستضعفين، فكيف بمن يقتل اليوم آلاف المسلمين من أجل البحث عن ديمقراطية مزعومة؟ أو ثورة مشؤومة؟ أو تجارة سياسية موهومة؟ وكيف بمن يستبيح دماء آلاف المسلمين من أجل ازالة حاكم لم يحكم بالشريعة؟ أو بدعوى كفره؟ فهذه مكة حكامها كفرة أصليون، منع الله قتالهم خوفاً من ازهاق أنفس الأبرياء من المسلمين فيها.


وختاماً نستنتج أن كل المصالح المزعومة مما يسمى الربيع العربي أقل من مصلحة فتح مكة وانقاذها من الشرك، والأرواح المؤمنة التي أُزهقت في هذا الربيع المزعوم أكثر عدداً من بضعة مؤمنين ومؤمنات يُخفون إسلامهم في قريش، فكيف - بعد هذا البيان - يستبيح دعاة الثورة دماء الأبرياء من المسلمين من أجل مصالحهم الحزبية التافهة، رحماك ربي..!!